ابن أبي أصيبعة
126
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
بمرضي الأول فاحتجت أيضا إلى فصد العرق ثم لزمتني الأمراض بعد تلك السنة سنينا متتابعة وربما كان ذلك غبا سنة بعد سنة إلى أن بلغت ثمانيا وعشرين سنة ثم إني اشتكيت شكاية شديدة ظهرت بي دبيلة في الموضع الذي يجتمع فيه الكبد مع ذيافرغما وهو الحجاب الحاجز ما بين الأعضاء المتنفسة والأعضاء الفعالة للغذاء فعزمت حينئذ على نفسي أن لا أقرب بعد ذلك شيئا من الفاكهة الرطبة إلا ما كان من التين والعنب وهذان إذا كانا نضيجين وتركت الإكثار منهما أيضا فوق القدر والطاقة وكنت أتناول منهما قدرا ولا أجاوزه وقد كان لي أيضا صاحب أمس مني فوافقني وواساني في العزم الذي عزمت عليه من ترك الفاكهة والتباعد فألزمنا أنفسنا الضمور وتوقي التخم والشبع من الأغذية فبقينا جمعيا معا بغير وجع ولا سقم إلى يومنا هذا سنينا كثيرة ثم لما رأيت ذلك عمدت إلى أخلائي وأخداني ومحبي من إخواني فألزمتهم الضمور والغذاء بقدر واعتدال فصحوا ولم يعرض لهم شيء مما أكره إلى يومي هذا فمنهم من لزمته الصحة إلى يومنا هذا خمسا وعشرين سنة ومنهم من لزمته الصحة خمس عشر ومنهم من لزمته السلامة أقل من ذلك وأكثر من أطاعني ولزم الغذاء على قدر ما قدرت له من ذلك وتباعد من الفاكهة الرطبة وغيرها من الأغذية الرديئة الكيموسات وقال في كتابه في علاج التشريح بأنه دخل رومية في المرة الأولى في ابتداء ملك أنطونينوس الذي ملك بعد أدريانوس وصنف كتابا في التشريح لبواثيوس المظفر الذي كان واليا على الروم عندما أراد أن يخرج من مدينة رومية إلى مدينته التي يقال لها بطولومايس وسأله أن يزوده كتابا في التشريح وصنف أيضا في التشريح مقالات وهو مقيم بمدينة سمرنا عند باليس معلمه الثاني بعد ساطورس تلميذ قوينطوس ومضى إلى قورنتوس بسبب إنسان آخر مذكور كان تلميذا لقونطس يقال له أفقيانوس وسار إلى الإسكندرية لما سمع أن هناك جماعة مذكورين من تلامذة قونطوس ومن تلامذة نوميسيانوس ثم رجع إلى موطنه فرغامس من بلاد آسيا ثم سار إلى رومية وشرح برومية قدام بواثيوس وكان يحضره دائما أوذيموس الفيلسوف من فرقة المشائين وقد كان يحضرهم الذي يتولى في مدينة رومية وهو سرجيوس بولوس فإنه في أمور الحكمة كلها كان أولى بالقول والفعل جميعا وقال جالينوس في بعض كتبه أنه دخل الإسكندرية في أول دفعة ورجع عنها إلى فرغامس موطنه وموطن آبائه وعمره ثمان وعشرون سنة وقال في كتابه في فينكس كتبه إنه كان رجوعه من رومية إلى بلاده وقد مضى من عمره سبع وثلاثون سنة وقال في كتابه في نفي الغم أنه احترق له في الخزائن العظمى التي كانت للملك بمدينة رومية كتب كثيرة وأثاث له قدر بمبلغ عظيم وكان بعض النسخ المحترقة بخط أرسطوطاليس وبعضها بخط أنكساغورس وأندروماخس وصحح قراءتها على معلميه الثقات وعلى من رواها عن أفلاطون وسافر إلى مدن بعيدة حتى صحح أكثرها وذكر أن من جملة ما ذهب له في هذا الحريق أيضا أشياء كثيرة قد ذكرها في كتابه يطول حصرها